باسم الأوّل ،،
الرحيم الذي أنعم علينا أول هذا الشهر بقطراتِ مطرٍ أسكنتنا رحمةْ
الغفور الذي لم يزل يتوددُ إلينا بالنّعم ، متبغضين له بمعاصي لا حصر لهَا
و مع ذلك أبواب جناته مفتوحة ،
ليُكتب في كل ليلةٍ عبادٌ بأنهم خارج أسوار النارِ عتقاً منها _
بسم الله ..
شهورٌ كثيرة مرت ، منها مالم نشعرُ بها أبدًا لانهماكنا في عملٍ ، دراسة ٍ، سفر ، أو أي ارتباطٍ آخر .. حتى أضحينا نتذكر الشهور بحدثٍ معين تم فيها بغض النظر عن الأيام و تفاصيلها .. اعتدنا كما علمونا في درس القراءة أن نستخرج " الفكرة العامة " من القطعة ، فنرفعُ أيادينا الصغيرة طمعاً في الإجابة التي لا تتجاوز في أكثر الأحيان _ سطرًا و نصفْ .
و كنّا كثيرًا ما نتهرّب من " العناصر الأساسية " كونها تحتاج لجهدٍ أكبر ، و لخوضٍ في التفاصيلْ ،
فينتهي الأمر بإجابة المعلمة نفسها لنفسها ، كاتبةً خمسةً إلى سبعة عناصر على السّبورة .... لننقلها نحنْ !!
و بهذا تشكّلت حياتنا ، و أصبحنا للأسف لا نجيد محورةَ التفاصيلْ .
انتزعنا حقّ البركة من الوقت ، و لم نَلُم أنفسنا .
بتنا نهدهد أنفسنا بزفرة أسى أن هذه علامةٌ لقرب يوم القيامة ، .. و أيضاً ، لم نَلم أنفسنا !!
و في النهاية لم نهتم كثيرًا ، لأننا نطيب خواطرنا بأخذنا الفكرة العامة من الموضوع مجملاً .. إما - بمناسبة رمضان - ختمةٌ كاملةٌ للقرآن
و الله وحده يعلم إن كانت بتدبّر أم لا ، أو صلاةٌ لتراويحٍ أو تهجّد في مكانٍ ما ..
لا ريبَ إن أخرّنا صلاةُ الفريضة ، أو جمعنا ظهرًا مع عصرًا ، أو قصّرنا في النوافل التي اعتدنا عليها ... لأننا سنعوّضها في التراويحْ ..
هكذا أحياناً ... نفكّر !
و لا ريبَ أيضاً إن قضينا اليوم كلّه في النوم ، لأننا سنعوّض هذه المرة ليس بتراويحٍ فحسبْ .. بل و بركعات تهجّد .. !
و هكذا يمرُ .. رمضان .. و يأتي آخر ،
و الوتيرة على حالها - هذا إن لم تتضاءل تدريجيا من سنةٍ لأخرى ،، !!!
ينتهي رمضانْ ، بلا استغلالٍ تامٍ يوافقُ هكذا شهرْ - ليس لأننا انهكمنا في مشاهدة مسلسلات سرعانَ ما تتسابق باقي القنوات على بثّها بعد رمضان مباشرة ، و لا لأننا صائمون في شهري الصيف الحارة أغسطس و سبتمبرْ ، و لا لأي سبب سطحيٍ قد يبدر إلى أذهاننا ،،
و إنما لسببٍ واحد مضى على كل الشهور السّابقة ، و انسحب بطبيعة الحال إلى رمضانْ ، ألا هو عدم اهتمامنا بالتفاصيل ، العناصر الأساسية - أو بمرادف إداري _ التخطيط !
لو أننا كل شهرٍ نعيشُ يوماً .. يوما ، مجدولاً بمهامٍ تتناسب و طبيعة اليوم ،
لو أننا نستقبل كلّ يومٍ بسجدةِ شكرٍ لله ، أننا ما زلنا أحياء ، و أنه تعالى أعطانا يوماً من عمرنا جديدًا .. نعاهده فيه أن نقدّم الأفضل جاعلين من العصفورِ المغرد على طرف النافذة ، شاهدًا لنا !
لو أننا فقط .. أدركنا عدم خلودنا و أن كل لحظةٍ قد تكونُ .. أخيرة ، فنسعى لاستغلالها بكلّ الخيرْ ، لما ضاعتِ الأشهر علينا عبثاً .. و لما ضاعَ عُمرُنا !
لذلك فإننا قبل أن نودّع رمضان ، علينا توديع بذور التسويف و اللامبالاة فينا .
علينا البدء في استحداثِ عادات جديدة نحقق فيها أقصى استغلال ممكنٍ لأيامنا ، فإذا ما انقضى شهرٌ كامل احتفظنا بمذكرةٍ كاملة له بكل أيامه .. عوضاً عن السطر و النصف الذي نجود به أسبوعياً أو غالبا شهرياً على دفتر مذكراتنا - هذا إن كان يوجد أصلاً .. !
لنوّدع رمضان بمواجهة أنفسنا ، عازمين على البدءِ في التغيير من اللحظة ،،
مستقبلين العيدَ بروح جديدة و بيدنا أجندةٌ لأيامنا معلّق في طرفها قلمْ ، نسجلّنا فيه يوماً بيومْ .
و في ليلة العيدِ نسجّل اعترافنا بقصورنا ،،
راجين من اللهِ كل الفوزْ و أن يبلغنا رمضان العام القادم برضىً منه و توفيق !
فاطمة بنت جمال الحارثي
27 رمضان 1430هـ
17 سبتمبر 2009 م
